كتبت | عزة كمال
تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية متزايدة، في ظل استمرار تداعيات الحرب والعقوبات الأميركية، وسط مخاوف داخل دوائر الحكم من أن يؤدي تدهور الأوضاع المعيشية إلى اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية، وفق تقرير لوكالة «رويترز».
ترامب يتوعد طهران بـ«ضربة اقتصادية قوية»
وتصاعدت حدة الضغوط الأميركية على طهران بعدما توعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض «ضربة اقتصادية قوية» على إيران، بالتزامن مع إعلان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن واشنطن تستعد لاتخاذ إجراءات «غير مسبوقة» ضد طهران خلال الأسبوع المقبل، دون الكشف عن طبيعتها.
ونقلت «رويترز» عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين أن القيادة الإيرانية تواجه ضغوطًا داخلية متنامية، قد تتحول إلى اضطرابات واسعة النطاق، في وقت تؤكد فيه السلطات قدرتها على مواصلة الصمود رغم تداعيات الحرب وإغلاق مضيق هرمز فعليًا.
وأوضح المسؤولون أن المخاوف داخل دوائر الحكم لا تقتصر على تراجع المؤشرات الاقتصادية، وإنما تمتد إلى احتمال تحول الأزمات المعيشية إلى احتجاجات شعبية جديدة، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتضرر قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي.
اقتصاد إيراني يواجه أزمات متراكمة
دخلت إيران الحرب وهي تعاني بالفعل من معدلات تضخم مرتفعة، وتراجع قيمة العملة، ونقص في الطاقة، إلى جانب العقوبات الاقتصادية والاختلالات الهيكلية التي أثقلت الاقتصاد لسنوات.
ومع استمرار الحرب، ازدادت الأعباء نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، واضطراب حركة التجارة، وتراجع الإنتاج، وارتفاع تكاليف إعادة الإعمار، فضلًا عن الأضرار التي أصابت مصانع ومحطات كهرباء وشبكات نقل ومنشآت حيوية.
وانعكست هذه الأوضاع على سوق العمل، إذ أكد أرشيا، وهو مهندس مدني من أصفهان وأب لطفلين، أن مشروعات البناء توقفت أو تأجلت على نطاق واسع، بالتزامن مع ارتفاع التكاليف وانخفاض فرص العمل.
وقال أرشيا: «أشعر بالقلق.. إذا فرض ترامب المزيد من العقوبات، كيف سينجو الناس العاديون؟ لا أريد أن تُعاقب بلادي عسكريًا أو اقتصاديًا، فنحن نواجه صعوبات بالفعل».
وفي بندر عباس، اضطر محسن، البالغ من العمر 53 عامًا، إلى إغلاق شركة صغيرة تعمل في مجال الاستيراد والتصدير مع دول الخليج، وتسريح عشرة موظفين بعدما عجز عن توفير رواتبهم.
تضخم مرتفع يضغط على الأسر الإيرانية
وتكشف البيانات الرسمية عن اتساع نطاق الأزمة المعيشية في إيران، إذ بلغ معدل التضخم السنوي 66% خلال يوليو، بينما سجلت أسعار المستهلكين ارتفاعًا سنويًا بنسبة 87.9%، في حين قفز تضخم أسعار المواد الغذائية إلى 128%.
ويرى مسؤولون ومصادر مطلعة أن الخطر الأكبر الذي يواجه القيادة الإيرانية يتمثل في احتمال تحول الضغوط الاقتصادية إلى وقود لاحتجاجات شعبية جديدة.
كما أثار تعيين حسين طائب، أحد أبرز المسؤولين السابقين عن عمليات القمع، لقيادة قوات الباسيج مؤخرًا، تساؤلات بشأن استعداد السلطات لمواجهة أي احتجاجات محتملة.
وتتبع قوات الباسيج الحرس الثوري الإيراني، ولعبت القواتان دورًا بارزًا في التعامل مع الاحتجاجات التي شهدتها إيران خلال السنوات الماضية.
«راتبي ينفد في أيام»
وتظهر تداعيات الأزمة بوضوح داخل الأسر الإيرانية، التي اضطرت إلى خفض استهلاك اللحوم والمواد الغذائية الأساسية والاعتماد على بدائل أقل تكلفة.
وقال حسين، وهو موظف حكومي في يزد: «أشعر بالخجل أمام أطفالي. راتبي ينفد خلال أيام، واختفى اللحم والدجاج من مائدتنا، ولا أعرف كيف سنتمكن من تدبير أمورنا».
وفي الوقت نفسه، ارتفعت الإيجارات بنحو 31% على أساس سنوي في مارس، بينما أفادت وسائل إعلام حكومية بارتفاع أسعار المساكن في طهران بنحو 50% خلال عام.
ورغم زيادة الحد الأدنى للأجور بنحو 60% هذا العام، فإن تراجع قيمة الريال الإيراني أدى إلى تآكل أثر الزيادة، وانخفضت قيمة الحد الأدنى للأجور بالدولار من نحو 105 دولارات إلى 86 دولارًا منذ أواخر مارس.
كما اضطر بيجان، وهو مهندس يبلغ من العمر 40 عامًا، إلى ترك العمل الهندسي والاتجاه إلى التدريس الخصوصي عبر الإنترنت، في محاولة لتوفير نحو 400 دولار شهريًا بعد انتقاله وزوجته من طهران إلى منطقة أقل تكلفة.
الحصار البحري يزيد الأعباء الاقتصادية
وتحاول إيران تأمين احتياجاتها الأساسية عبر طرق بديلة، من بينها الممرات البرية وبحر قزوين، إلا أن هذه المسارات تواجه بدورها تحديات متزايدة.
وأدى تضرر بعض الجسور إلى تعطيل حركة النقل البري وارتفاع تكاليف نقل البضائع، فيما اضطرت بعض السلع التي كانت تصل عبر البحر إلى سلوك طرق أطول وأكثر تكلفة.
وأقر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بتفاقم الأزمة، مشيرًا إلى أن «مشاكلنا تضاعفت عدة مرات وانخفض دخلنا»، في ظل تراجع صادرات النفط وانخفاض الإيرادات الضريبية نتيجة الأضرار التي لحقت بالشركات.
وقال النائب الإيراني رضا سبافاند إن الحصار أدى فعليًا إلى توقف واردات البنزين، موضحًا أن الإنتاج المحلي يبلغ نحو 130 مليون لتر يوميًا، مقابل استهلاك يصل إلى 137 مليون لتر.
وتشير التطورات المتلاحقة إلى أن الضغوط الاقتصادية أصبحت أحد أبرز التحديات التي تواجه إيران خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع استمرار العقوبات وتراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار، الأمر الذي قد يزيد من حالة الاحتقان الشعبي ويضع القيادة الإيرانية أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على احتواء الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.







